(وابْيَضَّتْ عيناه من الحُزْنِ فهو كظيم)
كان سيدنا يعقوب عليه السلام كثير الأولاد من زيجات متعددة، وكان سيدنا يوسف عليه السلام محبوبًا من قبل والديه، كانت والدته ذات حظوة عند والده، وكما يقال دائمًا، فإن محبة الابن من محبة والدته!
قصة سيدنا يوسف تحوي الكثير من العبر وتحتاج إلى كثير من الوقفات عند بعض التفاصيل، على كل باحث في مجال تخصصه التقصي والتحليل لتلك الوقفات للاستفادة ولأخذ العبر، وبالنسبة لي، فإنني كطبيب عيون لفت نظري موضوع ابيضاض عيني سيدنا يعقوب عندما حزن حزنًا شديدًا على فقدان ولده يوسف وهو النبي الصابر المحتسب، لكن كل الأحداث السابقة واللاحقة تخضع لنواميس الكون، التي وضعها الخالق عز وجل، وهذا ما يدعونا إلى إخضاع تلك الأحداث ووضعها تحت مجهر التحليل العلمي.
عاش سيدنا يعقوب عليه السلام ما عاش في صحة جيدة، وكان ذا نظر سليم قبل فقدان ولده يوسف، وفجأة تغيرت الأحداث بشكل سريع... ماذا حدث لذلك الرجل القوي؟ كما تعلمون أن الحزن الشديد يؤدي إلى التوتر المستمر ومن ثم إلى ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع نسبة السكر في الدم التي تحتاج إلى كم أكبر من الإنسولين، مما تحفز الخلايا المنتجة للإنسولين في جزر لانجرهان في البنكرياس لإنتاج كم أكبر. فإذا كان الرصيد من الإنسولين قليلاً، والحدث مستمرًا.
ماذا نتوقع؟ نتوقع حدوث مرض السكر، وارتفاع نسبة السكر في الدم إلى درجات عالية تؤدي إلى ارتفاع نسبة السكر في أمكنة كثيرة من الجسم، ومنها العين، وكما تعلمون فإن العين تتكون من غرفة أمامية بين قرنية العين الشفافة وعدسة العين الشفافة، تفصل بينهما القزحية التي تعطي لون العين، وفي وسطها الحدقة التي تنظم كمية الإضاءة الداخلية في العين، تحتوي الغرفة الأمامية على سائل مائي حوالي ربع ملم مكعب حجمًا.
أما الغرفة الخلفية والتي تنحصر بين العدسة الشفافة في الأمام والشبكية في الخلف فإنها تحتوي على سائل لزج يسمى السائل الهلامي (حوالي 4سم مكعب).
فالعدسة موجودة في المنتصف بين الغرفتين محاطة بالسوائل من كل جانب (في حالتنا هذه تكون السوائل مشبعة بالسكر) وهذه العدسة هي بيت القصيد. تبقى العدسة شفافة ما بقي النظر صافيًا ومريحًا، إذا بدأت العدسة في فقدان شفافيتها، تغبر النظر وظهرت عليه الغيوم المتعددة، منها المعتم والأشد عتامة حتى يفقد النظر تدريجيًا، وذلك ما يطلق عليه العامة الماء الأبيض، أو ما يسمى بالكتاركتا، لكن هل كان سيدنا يعقوب مصابًا بالماء الأبيض أو ما يسمى بالساد الأبيض، وما علاقة الحزن ومن ثم السكر بالماء الأبيض... هل هناك علاقة؟
نعم... لقد أثبتت التجارب والملاحظات السريرية على بعض المرضى الذين يعانون ارتفاع نسبة السكر بصورة مستمرة أن الماء الأبيض يتكثف بسرعة، بالإضافة إلى تأثير السكر على الشبكية وهو ما يؤدي إلى انسداد في بعض الشعيرات الدموية ورشح في بعضها الآخر. إن تكوُّن الماء الأبيض في الظروف العادية يحتاج إلى كثير من الوقت، وأحيانًا إلى فترات طويلة، أما سيدنا يعقوب فقد ابيضت عيناه من شدة الحزن بمعنى أن الآخرين قد لاحظوا عليه ذلك الابيضاض في فترة قصيرة، كما أشرنا سابقًا إلى أن مريض السكر الذي يعاني عتامة بسيطة في العدسة، تتطور الأمور لديه بسرعة وتزداد العتامة في العدسة خلال وقت قصير، إلى درجة تحتاج إلى تدخل جراحي لإزالة العتامة، وهذا يحتاج إلى وقفة أخرى في مقالة أخرى لتحليل عودة النظر لسيدنا يعقوب عندما ألقي عليه قميص ولده يوسف.
عودة لموضوعنا بصورة مبسطة نقول إن ارتفاع نسبة السكر في الدم ومن ثم حول العدسة يؤدي إلى دخول جزيئات السكر إلى محتويات العدسة ومن ثم تحاول العدسة أن تخفف من نسبة السكر بامتصاص مزيد من الماء الذي يؤدي إلى مزيد من العتامة وفقدانها شفافيتها وتبيض بصورة سريعة، هذا من ناحية التحليل العلمي، لكن هل هذه هي الحقيقة؟ وهل كان سيدنا يعقوب مصابًا بداء السكري والساد الأبيض الذي نتج عن الحزن الشديد؟ الله أعلم.
د.زكريا آل فيصل
استشاري عيون