تنشأ ما بين فترة وأخرى خلافات ، قد تحتد وتصل إلى مواجهات أو إلى تصادم ، يكون في الغالب ضحيتها من هم دونهم في المستوى الثقافي أو من نطلق عليهم بالتبعية .
ترى ما هي الأسباب التي تؤدي إلى ذلك ؟. في تصوري أن هنالك أسباب رئيسية نذكرها:
1. عدم التجرد من العواطف وتعميل العقل بحيث يكون قائدا لا تابعا .
2. الشخصنة في الحوار والشخصنة في الطرح .
3. الميول العلمي.
4. تعدد المفاهيم والرؤى لبعض المصطلحات .
بالعودة إلى النقطة الأولى ( عدم التجرد من العواطف وتعميل العقل ) :
لا يخلو الإنسان من عاطفة وارتباط إما بقيم وأخلاقيات، أو ارتباط بشخصيات تكون بارزة لها مكانتها العلمية أو الاجتماعية. وهذا الارتباط ليس وليد الساعة بل هو ارتباطا له جذوره وعمقه في النفس البشرية قد يكون حاكما في لحظة من اللحظات يهيمن بسلطته على سلطة العقل. قد نلمس ذلك في العادات والتقاليد مثلا،فمن غير المسموح لأحد أن ينتقص مما كنا ربينا وترعرعنا عليه. وأن هذا الشخص قد تجاوز خطوطا حمراء، كان لزاما عليه أن يقف قبلها.
لنأخذ مثالا حيا أخرمن حياتنا العملية : حينما ينتقد أحد الأشخاص رأيا قد تبناه عالم من علماء الدين ، نجد أن الدنيا تقوم ولا تقعد يصاحبه هجوما عنيفا يشن على المخالف لهذا الرأي، فيتهم بأنه قد قام بانتقاد الشخص ( عالم الدين ) لا بانتقاد رأيه . فتنقلب الموازين وتكون الغلبة للعاطفة والارتباط . أو كما يقال في المثل العامي ( أنا وأخي على ابن عمي ، وأنا و ابن عمي على الغريب ).
النقطة الثانية ( الشخصنة في الحوار)
البعض في الحوار أو الطرح لا يبتعد كثيرا عن أرنبة أنفه فلا يرى إلا نفسه، فكل من هم حوله هم دونه، وهذه الشخصية عادة إذا ما تم نقدها أو محاورتها والاختلاف معها يتحول معها الحديث إلى شخصنه وتهجم.لأن طرحه هو أنا ولا أكثر من أنا ، والنقد سيكون لما تتصف به هذه الأنا .فهو نقد غير مقبول .
والأنا لا تنحصر في الأفراد فقط بل قد تتسع دائرتها إلى العائلة والقبيلة والوطن والعرق والطائفة والدين ، وغيرها . فتارة نتحدث عن همومنا والمشاكل التي تحيط بنا كالصراع الإسرائيلي مثلا ومساعدة السياسة الأمريكية لها . نجد البعض يشن هجوما شرسا تجاه الديانات ويتحدث عن الديانات المسيحية واليهودية وغيرها . مع العلم أن هنالك ممن هو يدفع الظلم عنه من تلك الديانات فلبنان مثلا فيه مسيحيين وفلسطين وغيرها من البلدان الأخرى. فها هو لا يرى الدور الذي هم قائمين به لأن الأنا قد أعمته .
كما يمكن إضافة نوعيات أخرى للشخصنة منها الخلافات والحكم المسبق . فلو دب خلاف ما بين زيد وعمر فكل ما يطرحه زيد هو بالنسبة لعمر له حكم مسبق وهو أنه على خطأ. فإن لم يكن على خطأ سيقف عمر عند كلمة يقولها زيد ليحملها على خلاف المقصد المطلوب والهدف المنشود.
ومنها أيضا أولئك الذين يقتطعون من الحديث ما يوافقهم أو ما يخالفهم ويتركوا الباقي دون مراعاة للموضوعية وما يتحدث به المحاور.
النقطة الثالثة: الميول العلمي:
يرتكز الحوار أو الطرح عادة على المادة العلمية التي يملكها صاحبها. فإذا كان هذا الطارح أو المحاور يتجه مثلا إلى العلوم التجريبية ، فإنه يقف مشككا في الطرح العلمي النظري ، فهو لا يؤمن إلا بما كان نتاجا للتجربة .
كما أن بعض الخلافات أيضا تقع في المنحى التخصصي فالمناطقة قد يخالفون الفلاسفة ، وقد يخالف الاثنين أصحاب علم الكلام . ونقع في ما لا نهاية من الخلاف والأخذ والرد. ومن الأمثلة على هذه النوع ما جاء مثلا في مسألة المعاد الجسماني . فبين قائل بالمعاد الجسماني وأخر يقول لا بل هو جسم صوري . وأخر يقول الخلايا في الإنسان تتجدد بأكملها خلال عشر سنوات وهذا ما أثبته العلم الحديث، هذا علاوة على تحلل الجسد واستحالته إلى مواد عضوية لتكتمل معها دورة الحياة وتنتقل من جسد إلى أخر. فكيف نوفق ما بين هذه الأمور الخلافية؟ . فندخل في دوامة لا تنتهي فصاحب العلم الحيوي يقول هاتوا برهانكم فكلامكم لا يمكن أن يقبله علم ولا عقل. وأخر يقول لا يمكن مخالفة النص في قبال علم ناقص أو عقل لم يدرك ، ربما هنالك ما نجهله . لنقع نحن في حلقة مفرغة لا نعرف أي الاتجاه نسلك والى من نؤمن، فنتبنى أرآنا على الموافق لأهوائنا العلمية التي نميل إليها لنبدأ بحلقة مفرغة جديدة ودورة جديدة من الخلافات.
النقطة الرابعة تعدد المفاهيم لبعض المصطلحات :
كثيرا ما نواجه مشكلة جدية في فهم المصطلحات وبخاصة إذا ما كانت هذه المصطلحات مستحدثة، أو كانت وليدة للترجمة، أو مرت بفترة من الزمان وأصبح ما يشاع في استخدامها خلافا لما هي عليه في المفهوم اللغوي. لتختلط علينا المفاهيم فما أفهمه أنا من هذا المصطلح هو مغاير لما يفهمه زيد مثلا. فينشأ بذلك تصادم في الطرح وخلافا في وجهات النظر من حيث مجمل الطرح لا من حيث المعنى الاصطلاحي للطرح .
دمتم موفقين